محمد عزة دروزة
526
التفسير الحديث
المتحقق به يقدم على الجهاد في سبيل اللَّه بماله ونفسه وتحمل التضحيات والمشقات برضاء نفس وطمأنينة قلب . وبكون الثاني هو إظهار الانقياد للدعوة وواجباتها رغبة أو رهبة دون أن يتمكن الإيمان في قلب من يعلن إسلامه . وهذه صفة الأعراب الذين حكت الآيات قصتهم وتعبير * ( الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه ورَسُولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ) * ينطوي في الوقت نفسه على تنويه بالذين تمكن الإيمان في قلوبهم من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ووصف لهم . ولقد كان تعبير ( الإسلام ) يأتي بمعنى إسلام النفس للَّه عز وجل وخضوع المرء وانقياده له وبالتالي بمعنى الإخلاص للَّه في حين أن الآيات لم تعتبر قول الأعراب * ( أَسْلَمْنا ) * دليلا على إخلاصهم وصحة إيمانهم . حيث يبدو من ذلك طور من أطوار استعمال هذه الكلمة في القرآن . ولقد صارت الكلمة عنوانا على الدين الذي جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم على ما جاء في الآية الثالثة من سورة المائدة ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً . فجملة * ( ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * في الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها من مدى ذلك بمعنى ( قولوا اتخذنا الإسلام دينا ) واللَّه أعلم . ولقد نبّه بعض المفسرين ( 1 ) إلى أن الآيات لا تتضمن وصف الأعراب الذين حكت أقوالهم بالنفاق . وهذا صحيح . ويستتبع هذا أن اللَّه إنما وسع لهم رحمته وحكمته لأنهم كانوا يظنون أنهم بإظهارهم الإسلام قد فعلوا ما عليهم . وأن الآيات هي بسبيل إعلامهم حقيقة أمرهم وحقيقة الإيمان الصحيح والمتصفين به للتأديب والتنبيه والحثّ في مناسبة ما روي عنهم من منّ وتبجّح . وقد يكون هذا حال معظم الذين أسلموا من جماهير العرب الذين كانت أكثريتهم من القبائل . بل قد يكون هذا حال جماهير المسلمين في كل وقت . وهذا مؤيد في تقسيم القرآن للمؤمنين باللَّه فريق والسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [ 10 ] وفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [ 8 ] كما جاء في سورة الواقعة . وقد جعل لكل منهما ثوابه الأخروي بحسب ذلك على
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير .